عبد المنعم صلاح يكتب: تأملات في «واضربوهن».. كيف أعاد علي محمد الشرفاء قراءة العلاقات الزوجية في التشريع الإلهي؟

0

توقفت كثيرًا أمام ما طرحه المفكر العربي علي محمد الشرفاء في مقاله «العلاقات الزوجية في التشريع الإلهي»، خاصة عند تناوله لمفهوم «واضربوهن» الوارد في سورة النساء، فهذه الكلمة ظلت لسنوات طويلة تُفسر على أنها إباحة للضرب الجسدي، بينما يذهب الشرفاء إلى قراءة مختلفة تنطلق من مقاصد القرآن الكريم ومنهجه القائم على الرحمة والمودة والإصلاح.

وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من كونها لا تنظر إلى الآية بمعزل عن المنظومة القرآنية الكاملة التي نظمت العلاقة بين الزوجين، بل تربطها بالآيات التي جعلت السكن والمودة والرحمة أساسًا للحياة الزوجية، وبالآيات التي دعت إلى العفو والصبر والإصلاح عند وقوع الخلافات الأسرية. ومن هذا المنطلق يطرح الكاتب تساؤلًا مشروعًا: هل يمكن أن يكون المقصود من كلمة «واضربوهن» معنى آخر غير الضرب المادي المتعارف عليه؟

في مقاله، يسعى الشرفاء إلى إعادة قراءة المصطلح من خلال تتبع استخدامات كلمة «ضرب» في القرآن الكريم، حيث وردت في مواضع متعددة بمعانٍ مختلفة لا تتصل بالإيذاء الجسدي، الأمر الذي يفتح الباب أمام فهم جديد ينسجم مع المقاصد العليا للتشريع الإلهي في حماية الأسرة والحفاظ على كرامة الإنسان.

 ومن هنا تأتي أهمية هذا الطرح الذي يدعو إلى النص القرآني ذاته وليس التفسيرات البشرية، بما يحقق الغاية الأساسية من التشريع وهي تحقيق السكينة والاستقرار داخل الأسرة.

ويبدو أن جوهر الطرح الذي يقدمه علي الشرفاء لا يقتصر على إعادة مفهوم كلمة واحدة في القرآن الكريم، وإنما يتجاوز ذلك إلى إعادة النظر في فلسفة العلاقة الزوجية كما أرادها التشريع الإلهي،  فالكاتب ينطلق من مبدأ أن القرآن الكريم أقام الحياة الأسرية على أسس واضحة هي المودة والرحمة والعدل والإحسان، وهي قيم يصعب التوفيق بينها وبين أي سلوك يقوم على الإيذاء أو الإهانة.

يستعرض الكاتب العديد من الآيات التي وردت فيها كلمة «ضرب» ومشتقاتها بمعانٍ متعددة، مثل ضرب المثل، وضرب الخمار، وضرب الحق والباطل، ليؤكد أن اللفظ القرآني لا يحمل دائمًا معنى الاعتداء الجسدي. فقد أوضح المفكر علي الشرفاء المعنى الحقيقي للكلمة «واضربوهن» بعيدًا عن الفهم الخاطئ الذي ربطها بالعنف الجسدي والإهانة، ذلك الفهم الذي أساء إلى جوهر العلاقة الزوجية القائمة على المودة والرحمة والسكينة. فالمقصود ليس الضرب المادي الذي يجرح كرامة المرأة ويهدم أواصر الأسرة، وإنما الإضراب المؤقت عن العلاقة الزوجية كوسيلة هادئة للتنبيه والتذكير بحقوق الزوجين، بما يحقق مراجعة النفس وتصحيح مسار الحياة الزوجية دون إساءة أو إهانة.

إن هذا الفهم الراقي يعكس سماحة القرآن الكريم وحرصه على الحفاظ على كيان الأسرة، ويؤكد أن العلاقة بين الزوجين يجب أن تبقى قائمة على الاحترام المتبادل والرحمة والتفاهم.

وتبرز قوة هذا الطرح في استناده إلى المقصد القرآني إلى الحفاظ على الأسرة وتجنب تفككها، إذ يرى الكاتب أن اللجوء إلى العنف الجسدي لا يؤدي الإصلاح، بل قد يفاقم الخلافات ويزرع مشاعر الكراهية والإهانة بين الزوجين، بينما يسعى التشريع الإلهي إلى معالجة الخلافات بدون إيذاء الزوجة ، حفاظًا على استقرار الأسرة وبناء أسرة يسودها السكن والمودة والرحمة كما أرادها القرآن الكريم.

Leave A Reply

Your email address will not be published.