العلاقات الزوجية في التشريع الإلهي.. بقلم المفكر العربي علي محمد الشرفاء

0

(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(البقرة:187) 

(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)(البقرة:222)

 (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)

(البقرة:223)

(وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)(النساء:32)

(وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ۚ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا)(النساء:33)

(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)(النساء:34)

(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا)(النساء:35)

(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا)(النساء:127)

(وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا)(النساء:129)

(وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا)(النساء:130)

قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)(المجادلة:1)

(الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُور)ٌ(المجادلة:2)

(وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)(المجادلة:3)

(فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۖ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ۚ ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(المجادلة:4)

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا)(الطلاق:1)

(فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا)(الطلاق:2)

(وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)(الطلاق:3)

(وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)(الطلاق:4)

(ذَٰلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا)(الطلاق:5)

(أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ۚ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۖ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ ۖ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ)(الطلاق:6)

(لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)(الطلاق:7)

العلاقة الزوجية أساسها المودة والرحمة:

قال الله سبحانه وتعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)(الروم:21) كيف تتوافق الرحمة مع ضرب الزوجة؟

وقال الله ايضا:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(التغابن:14)

وقال سبحانه (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)(النساء:128)

وقال سبحانه (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ..)(النساء34)

التفضيل لا يعني التشريف وإنما مقاصد الآية (التكليف) والقوامة وتحميل الرجل مسؤولية الرعاية للأسرة بما ينفقه من ماله لتأمين السكن الملائم، وتكاليف المعيشة ومتطلبات الزوجة والأولاد من علاج وكسوة وتلبية متطلبات الأبناء من تعليم وتوجيه لتربيتهم تربية صالحة.

واستكمالًا للآية الكريمة قول الله سبحانه: (…وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا(34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) (النساء: 34-35)

فقد شرع الله سبحانه في الآية (128) من سورة النساء إذا خافت الزوجة من نشوز الزوج أو الإعراض عنها والامتناع عن أداء واجبات العلاقة الزوجية؛ فالله سبحانه يأمر كلا الزوجين في حالة نشوز من أي منهما اتباع طريق الصُلح كما وصفه الله بالصلح خير.

لذلك واستنتاجًا من الآية (34-35) والآية (128) من سورة النساء؛ فالله يدعو الزوجين في حالة النشوز من أي طرف إلى اتخاذ سبيل الصُلح لتعود العلاقة الحميمة الطبيعية بين الزوجين وتستقر الأسرة في أمن وسلام بعيدًا عن المشاحنات والنكد والتلاسُن، مما يؤدي إلى اهتزاز الاستقرار النفسي للأطفال وتأثيره على الصحة النفسية لهم، وما قد تشكّله من نتائج سلبية في سلوكيات الأبناء ومستقبلهم من إخفاقات وفشل في دراستهم وحياتهم.

ولذلك فالتعامل مع الزوجة في حالة نشوزها بالضرب لا يمكن أن يتم تفسيره بالضرب المادي بأي وسيلة كانت، وقول الله سبحانه: (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ)، فسر الفقهاء (واضربوهن) تفسيرًا قاسيًا بالضرب المادي لا يتفق مع دعوة الله للزوجين في الآيات المذكورة أعلاه باتخاذ طريق الصُلح بينهما أفضل السُبل لعودة العلاقة الطيبة بين الزوجين، إضافة إلى ما جعل الله بين الزوجين من مودة ورحمة.

ولو تدبَّر المفسرون بمقارنة الآيات التي تدعو للصلح بين الزوجين وبالعفو والصفح والغفران للزوجة، كما جاء في سورة التغابن (14) أعلاه فلا يستقيم معنى (واضربوهن ) كما فسّره الفقهاء بالضرب المادي، إنما المقصود للمعنى الحقيقي لكلمة (واضربوهن ) أنها تعني (واضربوا عنهن)، هو أن يضرب الزوج عن مباشرة العلاقة الزوجية أي الامتناع عن قيامه بواجبه في المعاشرة الزوجية دون أن يترك فراشه ومضجعه، أما معنى كلمة (واهجروهن ) تعني أن يترك الزوج مضجعه أو فراشه إلى مكان آخر يبيت فيه بعيدًا عن فراش الزوجية إلى أن يُصلحا أمرهما أو يتوسط بينهما أفراد الأسرتين ليسعوا في الإصلاح بينهما حماية لاستمرار العلاقة الطيبة بينهما من أجل رعاية الأطفال وتربيتهما تربية صالحة.

مفهوم الضرب:

أما كلمة (الضرب) نجد القرآن الكريم عرض أمثلة في كثير من الآيات باستخدام كلمة (ضرب) في عدة مواقف ومنها ما يلي:

1-(ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا عَبدًا مَملوكًا لا يَقدِرُ عَلى شَيءٍ) (النحل :75)

2-(أَلَم تَرَ كَيفَ ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) (إبراهيم: 24)

3-(وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا) (الزخرف :17)

4-(إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ) (البقرة :26)

5-(كَذلِكَ يَضرِبُ اللَّـهُ الحَقَّ وَالباطِلَ) (الرعد : 17)

6-(وَيَضرِبُ اللَّـهُ الأَمثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرونَ) (إبراهيم : 25)

7-(وَضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا قَريَةً كانَت آمِنَةً مُطمَئِنَّةً يَأتيها رِزقُها رَغَدًا) (النحل :112)

8-(وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) (النور :31)

9-(وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (الزمر : 27)

معنى الضرب:

تلك بعض الاستخدامات في الآيات القرآنية لكلمة (ضرب ومشتقاتها) توضح عدة معانٍ في كل حالة، فلماذا لا يتخذها المفسرون والفقهاء مرجعية لإعادة النظر في تفسير كلمة (واضربوهن ) لاستنباط معنى يحقق المصالحة بين الزوجين ولا يزيد الأمور بينهما تعقيدًا في الحياة الزوجية؟! حيث أنه إذا استخدم الزوج معنى (الضرب المادي) بأي وسيلة كانت وما سيترتب على ذلك من رد فعل عنيف من قِبل الزوجة، وقد يتطور الأمر إلى استخدام آلات حادة بينهما قد تودي بأحدهما إلى ما لا يُحمد عُقباه؛ سيجعل المشكلة بينهما أكثر استفحالًا، في الوقت الذي فتح الله للزوج أبوابًا متعددة في التشريع الإلهي في القرآن الكريم من استخدام العفو والرحمة والغفران والصبر،كما قال الله سبحانه: (وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (النساء: 25)

وقول الله سبحانه: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (الشورى: 40)

وقول الله سبحانه: (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: 43)

حق الاختيار:

فالله في تلك الآيات أعطى الزوج حق الاختيار بدلا من الطلاق في اتباع الأمر الإلهي في معاملة الزوجة بالعفو أو بالغفران وإصلاح العلاقة بينهما، مما يساعد ذلك السلوك الراقي والمعاملة الحسنة للزوجة من قِبل الزوج الحفاظ على استمرار العلاقة الطيبة بين الزوجين وحماية الأسرة من التفكك لرعاية الاطفال بتربيتهم تربية صالحة.

وفي نفس الوقت اقتضت عدالة الله المُطلَقة مساواة الزوجين في التعامل مع أي منهما في حالة خوف الزوجة من نشوز زوجها أو نشوز الزوجة؛ فقد أوصاهما الله باتباع سبيل الصُلح بينهما ولا ميزة لأي منهما على الآخر .

مفوهم وَاضْرِبُوهُنَّ:

وأن ما تعنيه كلمة (وَاضْرِبُوهُنَّ)، لا تعنى الضرب المادي الذي يتعارض مع المنهاج الإلهي الذي أمر الزوجين بأن تكون العلاقات الزوجية تضبطها قاعدة التسامح والعفو والمودة والرحمة كما قال سبحانه مخاطبا جميع الناس وجميع الأزواج بالتعامل مع بعضهم وفق المنهاج الإلهي الذي بينه الله سبحانه في قرآنه: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)(الروم:21),فكيف يستقيم الأمر والهدف السامي بين الأمر بالضرب المتعارف عليه باليد أو بالعصي أو بأي وسيلة مادية مع المنهاج الإلهي للعلاقة الزوجية الذي وعظ الله به الأزواج أن جعل بينهم مودة ورحمة فكيف تتحقق الرحمة بالضرب المادي ولكن المقصود أمر آخر هو امتناع الزوج عن مباشرة العلاقة الزوجية مدة قصيرة ثم يعود الوئام دون خسائر مؤلمة وآثار الضرب على جسم الزوجة الذي يشرخ العلاقة بين الزوجين وتعبره الزوجة إهانة لكرامتها وانتفاء عنصر المودة والرحمة من الزوج مما قد يؤدي للانفصال عن بعضهما وينتج عن ذلك مشكلة الأطفال الذين يعيشون في جو ملبد بالغضب والشجار والضرب ولم يكن المقصود من الاية (وَاضْرِبُوهُنَّ) بل تعني الإضراب عن مباشرة العلاقة الزوجية نوع من تذكير الزوجة بحقوق الزوج عليها حفاظا على استمرار الأسرة لرعاية الأطفال لما يحقق لهم الاستقرار الهدف السامي لحماية الأسرة ، والذي يعلو فوق كل تفاسير الفقهاء التي تتخذ طريق القسوة والاستبداد بالسيادة التي ظن بأن الله ميَّز الرجل عن المرأة، وما أدركوا مقاصد الآية الكريمة في قول الله سبحانه: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)

مقاصد القوامة:

حيث أن مقاصد الآية الكريمة هي أن يتحمل الرجل مسؤولية القوامة للأسرة برعاية الزوجة والعناية بالأولاد، ومسؤولية الرجل عن حماية أهله وأبنائه بتحقيق الحياة الكريمة للأسرة بالإنفاق من ماله لتأمين السكن المناسب ومتطلبات الحياة من المأكل والمسكن وتأمين القوت للأسرة.

فما ذكرته الآية الكريمة ليس معناه رئاسة أو سيادة أو الحاكم الأوحد في أسرته، إنما هي مسؤولية تجاه أسرته كلَّفه الله بها لحمايتها ورعايتها وتأمين حاجتها؛ فالآية أكدت أن كلمة (قوَّامون) تكليفًا وليس تشريفًا ليتعالى الزوج على زوجته ويتعامل معها كالعبدة يستخدمها كما يشاء دون أن يكون لها حقوق أو كرامة، والتي كرَّمها الله في القرآن بعشرات الآيات التي يؤكد التشريع الإلهي بها كيفية المحافظة على حقوق المرأة.

وأن تحيُّزمشرعي قوانين الأحوال الشخصية بتفسير خاطئ لمصلحة الفقهاء فليس من المستغرب عليهم أن يخدعوا الناس بتلك الفتاوي الظالمة واستبداد طرف واحد في وضع التشريعات للمسلمين دون مشاركة الطرف الثاني الذي ساوي الله بينهما في قوله سبحانه: (وما خلق الذكر والأنثي) “الليل: ٣”, وقوله الله سبحانه :(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) “الحجرات :١٣” وضع الله قاعدة أزلية في المساواة بين الذكر والأنثي، ولم يجعل لأي منهما ميزة علي غيره إلا التقوي، عند الله وهو الذي سبحانه يكرم المتقين، وطالما التشريعات والقوانين التي تنظم حياة المجتمعات يفترض فيها مشاركة الطرفين الذكر والأنثي مناصفة بالتساوي وفق التشريع الإلهي، حتي لا يستغل طرف ميزة ابتدعها ليكون صاحب الكلمة الفصل، كما حدث منذ قرون، حيث استبد الذكور بالتشريع، متحيزين للفقهاء الذكور علي حساب الأنثي، بوضعهم مواد في فقه المسلمين تمنح كل المميزات للذكور علي حساب الأنثي، وتلك مخالفة صريحة وتجاوز خطير علي التشريع الإلهي في الآيات القرآنية ترتب عليه ظلم مجحف على حقوق الأنثي وإثم عظيم على ارتكاب الفقهاء خطيئة تجميد التشريع الإلهي، واستبداله بتشريع ظالم ألفه الذكوريون ولذلك لابد من إعادة النظر في كافة تشريعات الفقهاء وإعادة صياغتها لتتوافق مع التشريع الإلهي إضافة على مشاركة الأنثي مع الذكر بنسبة متساوية في صياغة جديدة لقوانين الأحوال الشخصية وتشريعات مستندة للتشريع الإلهي في اﻵيات القرآنية لتستقيم الأمور بالعدل في المجتمع المسلم والذكور للمسلمين وأطلقوا عليها الشريعة الإسلامية والإسلام برئ مما نسب إليه والمشاركة مع الفقهاء في التشريعات سلوك شاذ، وقد ينحرفون إلى طريق الضلال في حالة الانقسامات الأسرية وما يعيشونه مع والديهم من نكد وخلافات يومية وضرب للزوجة على أتفه الأسباب، ليمارس الرجال سلطتهم ورجولتهم على ضعف الزوجة وانكسارها وفقًا للمفاهيم البالية فيما قبل الإسلام وما يترتب على ذلك التصرُّف الجائر من الزوج من تأثيرات على سلوكيات الأطفال، وما قد يصيبهم من الأمراض النفسية التي تؤثر على سلوكياتهم في المجتمع ويتجهون إلى طريق الانحراف، واستقطابهم من قوى الشر لاستغلالهم في الإضرار بالمجتمع وتهديدهم للأمن الاجتماعي وسلامته.

أهداف التشريع:

لذلك على كل من يسعى لمعرفة المعني الحقيقي لكلمة (واضربوهن ) يتطلب التدبُّر في أهداف التشريع الإلهي ومقاصد آياته واستدعاء الآيات في الكتاب المبين التي تدعو الناس إلى تحقيق المصالحة والتسامح والعفو والدفع بالتي هي أحسن، ليصل الباحث إلى حقيقة أهداف رسالة الإسلام في تحقيق السعادة للناس، ووأد الفتنة بالمودة والرحمة وليس بالعداوة والقسوة والشتم بألفاظ نابية تسئ لتكريم الله لبني آدم حينما قال سبحانه: (ولقد كرمنا بني آدم) “الاسراء: ٧٠:, والتكريم يفرض علي الإنسان احترام أخيه الإنسان، والتعامل معه بالصفح والعفو والغفران لا يؤذيه ولا يظلمه ولا يعاديه ولا يحقد عليه ولا يحسده، ولا يسطو علي ماله وحقوقه، بل يتعامل مع أخيه الإنسان احتراما لتكريم الله بالرحمة والعدل والإحسان، وحمايته من كل عدوان، ذلك هو فرض من الرحمن علي الإنسان فالأوامر الإلهية وسيرة الرسول القرآنية في المعاملات والعلاقات بصفة عامة وطبق المنهاج الإلهي مطبقا شرعة الله ومنهاجه في القصاص والعفو قبل الحكم.

والحسنة قبل السيئة، والكلمة الطيبة قبل الكلمة النابية، لأن المنهاج الرباني في القرآن الكريم يستهدف تحقيق السلام بكل شموليته في حياة الأسرة وفي المجتمع، ونشر السلام بين الناس جميعًا ليعيشوا حياة لا يُنغّصها نكد ولا حسد ولا حقد ولا كراهية، بل مودة ووئام وتعاون وسلام، لتستمر العلاقة الزوجية المبنية على المودة والرحمة، تؤدي واجبها تجاه المجتمع الذي تعيشه والوطن الذي يحتضن أسرتها، تقدم له مواطنين صالحين يساهمون في تقدمه وتطوره للارتقاء بالحياة الكريمة لكل أفراد المجتمع.

إن المنهاج الرباني والتشريع الإلهي والقِيم الأخلاقية النبيلة تستهدف صياغة شخصية الإنسان بالأخلاق القرآنية وصفات المؤمنين والتشريعات الإلهية لبناء المواطن الصالح، ليكون لبنة صالحة لبناء المجتمع الإنساني المُتحضِّر الذي يساهم في تحقيق حياة كريمة لكل أفراد المجتمع، ينشر السلام لتتنزل عليهم البركات على الدوام.

Leave A Reply

Your email address will not be published.