القرآن هدى للناس (4).. أطروحة جديدة من كتاب «ومضات على الطريق – المسلمون بين الروايات والآيات» للمفكر العربي علي محمد الشرفاء
أعزاءنا القراء من جديد نواصل معكم نشر الجزء الثالث من كتاب ومضات علي الطريق، (المسلمون بين الآيات والروايات) للمفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، وفي هذه الحلقة نستعرض معكم مقالة عن القرآن هدى للناس (4) وسنوالي معكم النشر، ضمن سلسلة من الحلقات.
في حلقة اليوم يوضح الكاتب أن الله سبحانه وتعالى حينما ذكر في قرآنه الكريم قصص الأمم السابقة كان ذلك بهدف العظة والاعتبار وليس الالتزام بما كانوا يفعلونه وبأحكامهم وفتاويهم، وأنه سبحانه لم يلزمنا بما قالوا وأفتوا به في زمانهم، بل إنه سبحانه أرسل رسوله بالبيانات الواضحة، التي لا لبس فيها ولا حق سواها، وهو القرآن الكريم لنستنبط من أحكامه ما ينفعنا في دنيانا وآخرتنا، مشير ا ومؤكدا أن القرآن وحده هو مفتاح سعادة البشر ، وأنه وحده هو مناط التكليف من الله سبحانه لرسوله، مصداقا لقوله تعالى:﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾( سورة الأعراف: 3)
مبينا أن رسالة الإسلام ثورة تصحيح جاءت لتنير القلوب والأفئدة، ولتبين للناس ما هم فيه ، وأن كتاب الله وحده هو الكفيل بذلك، بعيدا عن الروايات والإسرائيليات المكذوبة علي نبي الله، وآراء المفتين والفقهاء التي تتصادم مع كتاب الله ،وما جاء به، وإلى نص ما كتب المؤلف.
القرآن هدى للناس (4)..
لقد اقتضت رحمة الله وحكمته ليعرض فى كتابه القصص القرآني ليسرد للناس أحوال من سبقهم من الأمم، ويضرب الله بها الأمثال، كيف غضب الله عليهم وأذاقهم العذاب بما ظلموا و أفسدوا وبما ارتكبوه من الشرك بالله واستباحة حقوق الناس واستخدامهم أبشع وسائل القتل والتعذيب لمن يخالفونهم ولم يتوانوا حتى عن قتل الأنبياء والإساءة اليهم بكل وسائل تشويه السمعة وبث مختلف الإشاعات ضد من يتبع الرسل، والله يريد بذلك أن يعتبر الناس بمن سبقهم ولا يقعوا في نفس الأخطاء التي أدت بهم إلى الضلال، ويحذر الناس مما جرى علي الأقدمين من عقاب الهي أهلكهم، ودمر حضاراتهم وأصبحوا أثراً بعد عين، ومن لطف الله بعباده ألا يريد لهم العذاب والهلاك، بل يريد سبحانه أن يجنبهم غضبه وعقابه، كما وعدهم سبحانه بقوله (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: ٩٧)، وقد الله سبحانه للناس قاعدة أزلية بعدم اتباع الأمم السابقة، وما أرتضوه من تشريعات وأعراف وعادات تتناسب مع أحوالهم فى عصورهم، لهم اجتهاداتهم ومفاهيمهم التي استنبطوها واستحدثوها بأفكارهم، ولم يلزمنا الله سبحانه باتباع تشريعاتهم وفتاويهم بل يلزمنا الله باتباع ما بلغه الرسول الأمين للناس من الآيات البينات وما تضمنته من تشريعات وعظات تمشياً مع القاعدة الإلهية في قوله سبحانه (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (البقرة:١٣٤).
وهذه الآية ترفع الحرج عن الناس ولا تلزمهم باتباع عقائد و تشریعات و تقاليد وأعراف وتراث من سبقهم من الأمم، لذلك فإن الإيمان بالله وكتابه وما تدعو إليه تشريعاته من رحمة وعدل وحرية وسلام ولكل ما يحقق للإنسان منفعته وصلاحه وسعادته في الدنيا لا يحتاج إلى جدال أو مناقشة فالقرآن هو الحق وما عداه فهو الباطل، فالله يمنح خلقه بالآية المذكورة أعلاه حق التشريع لمتلطبات المجتمعات الإنسانية في كل عصر وفقا لمباديء التشريع الإلهي ومرجعيته الوحيدة للناس في كتابه الكريم وليست المجتمعات الإنسانية في عصور المستقبل ملزمين باتباع من الأم سبقهم من أمم في العصور السابقة من تشريعاتهم وفقهائهم ومفاهيمهم، كما قال سبحانه وتعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ) (البقرة: ١٧٠).
فالله وكتابه ورسوله هم الحق وما عداهم الباطل اتباعا لقوله سبحانه (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) (الأعراف:٣)، كما أن الله سبحانه كلف رسوله عليه السلام بإبلاغ الناس بالمنهاج الإلهي فيما أنزله عليه من آيات بينات في القرآن العظيم وأن ينذر هم بقوله سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) (الأحزاب:٤٥)، وأمر الله لرسوله في قوله (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ (ق: ٤٥) (
لأن الله قد كلفه بأمر واضح لا لبس فيه ولاشك بقوله: المص«۱» كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ«٢» (الأعراف١-۲)، لأن الدنيا دار امتحان وأسئلة الامتحان يوم الحساب ستكون موضوعة من المنهاج الإلهي فى كتابه المبين، والإجابات عملاً وقولاً ستكون من خلال المذاكرة والاجتهاد والاخلاص فى اتباع المنهاج الإلهي والتعامل به في الحياة الدنيا، والإخلاص فى العبادات وتطبيق التشريعات والابتعاد عن المحرمات وعمل الصالحات، والتمسك بقيم القرآن والأخلاقيات التي اتبعها الرسول في سيرته من حسن المعاملة مع أهله وقومه ومجتمعه الإنساني دون تفرقة في المعاملة حسب المعتقد أو اللون أو الوطن، ومن اجتهد والتزم بكتاب الله وسيرة رسوله المستمدة من الآداب القرآنية قولاً وعملاً في حياته الدنيا سيجتاز الامتحان بتفوق، ونتيجة الامتحان أن يكون من المقربين كما قال سبحانه وتعالى: (فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِي«۸۸» فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ«۸۹») (الواقعة: ۸۹-۸۸)، وأما من اتبع مناهج البشر وأقوال ناقلي الروايات والإسرائيليات المحرفة والأكاذيب على الله ورسوله فنتيجتهم ستكون الفشل والحسرة؛ لأنهم خسروا الدنيا والآخرة في الامتحان والجزاء كما قال سبحانه: (وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ«٩٢» فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ«٩٣» وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ«٩٤») (الواقعة: ٩٢-٩٤)، ويصور للناس القرآن الكريم الحوار التالي بين الأئمة والدعاة والفقهاء وناقلي الروايات والأحاديث التي أضلوا بها الناس يصفهم الله سبحانه في آيات القرآن الكريم بقولة (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ) (الزمر:٦٠)، وقوله تعالى: (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ«٤٧» قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ«٤٨») (غافر: ٤٧-٤٨).
ثم يقول أحدهم -وهو في حسرة وندم كما صوره القرآن في قوله سبحانه: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا«٢٧» يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا«٢٨» لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا«٢٩») (الفرقان: ۲۷-۲۹)، فيجيبهم الشيطان مستهزئا بهم ساخرا من اتباعهم له : (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (إبراهيم:٢٢).
فليستيقظ الناس قبل يوم الحساب وقبل أن يسبقه الأجل، ثم يندم لأنه أشرك مع الله بعضًا من عباد الله، وحينها لا شفاعة تنفعه، ولا وسيط يسعفه، فقد جفت الأقلام، ورفعت الصحف، وقد ترك الله للناس الحرية المطلقة لكل عصر ينظم أمور دنیاه استر شاداً بكتابه واتباعا لتشريعاته وما تدعو إليه من رحمة وعدل وحرية وسلام وتعاون بين الناس وتحريم الاعتداء على حقوق الإنسان بكل أنواع الوسائل وفق متطلبات عصره، ولا يمكن استنساخ العصور الماضية لأنها سُنَّة الله في الأرض وسُنَّة التطور فرسالة الإسلام جاءت ثورة تصحيحية مباركة الفضيلة والرحمة والعدل والسلام على أنقاض الاستبداد من أجل بناء مجتمع والظلم والكراهية وسفك الدماء في الجاهلية وعبادة الأصنام لتحرير العقل لعبادة الله الواحد الأحد وأراد الله سبحانه أن يرفع عن الانسان الظلم ويمنحه الحرية وأن يعتقد بأي دين يشاء لأن حسابه مع الله يوم القيامة العادل الرحيم، حين يصف سبحانه ذلك اليوم ويصور للناس المشهد العظيم يوم الحساب بقوله (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (النحل:١١١).