الحلقة الحادية والعشرين من كتاب “ومضات علي الطريق العربي ” للمفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي

0

في الحلقة الحادية والعشرين من كتاب “ومضات علي الطريق العربي ” للمفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، وهو عبارة عن دراسات ومشاريع وحلول لواقع المستقبل العربي في القرن الواحد والعشرين يتحدث المؤلف عن مصر، كونها حاضرة في قلب وعقل و ضمیر کل عربي؛  وما تمر به من تحديات ومخاطر جسام، عبر الكاتب عنها من خلال عدة مقالات بادئا بالحديث عن الثورة العاقلة، واصفا ما يحدث في مصر بأنه إنجازات تحتاج لعقول وسواعد جبارة، ورؤى وأفكار مختلفة للنهوض ، متحدثا عن ثورة 25 يناير وأسبابها وآثارها الاجتماعية ليس فقط علي مصر، بل علي سائر الدول لمكانة مصر وأهميتها منبها إلي ضرورة الانتباه للأعداء، وما يحيكونه من مؤامرات وخطط ، موجها الدعوة إلي شباب مصر قائلا:يا شباب مصر! اجعلوا نظرتكم تتجه للمستقبل، ودعوا الماضي بكل مآسيه، واجعلوا الحاضر مرحلة الإعداد لعبور مشرق و عزیز؛ تتحقق للشعب فيه آماله، و تتطور فيه إنجازاته وأعماله، وتتحول أقواله، وشعاراته إلى عمل بناء تتكاتف فيه كل القوى في مجتمع المحبة، وإلي نص ما كتب المؤلف

الباب الثالث

مصر

لن نكتب مقدمة لهذا الباب تبريرا لتخصيص باب منفرد لمصر!

إن مصر في قلب وعقل وضمیر کل عربي؛ هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن ما كتبناه ونشرناه -سواء بالتعليق أو المقال أو الدراسة- يقيم الدليل على مكانة «الكنانة» في نفسنا، وتفكيرنا.

ولندع ما كتبناه عن مصر يقول كل شيء!

الفصل الأول

عن الثورة والوطن

1 – الثورة العاقلة

لقد اندفعت الجحافل البشرية من كل بقعة من أرض مصر العظيمة، وفي كل محافظة، والتحمت تحت شعار واحد هو (حرية ووحدة وطنية ديمقراطية، وعدالة اجتماعية) كل الأعمار من نساء ورجال وشباب جمعهم الأمل والتفاؤل بمستقبل کریم؛ يحقق لهم الأمن والعدل، ويرتقي بهم إلى حياة كريمة ؛ تمكنهم من الانتقال إلى وطن يليق بحضارة مصر، وعظمة تاريخها الذي أضاء الكون علما ونورة. لذا فقد انطلقت ثورة 25 يناير تهز أركان الظلم والفساد بقلوب مؤمنة، وشعارات سامية لم يرهبهم الرصاص، ولم يستسلموا لسقوط المئات من إخوانهم وأبنائهم وأقربائهم شهداء فداء في سبيل الحرية، و في سبيل العدالة.

فانتصرت إرادة الحياة متسلحة بحقها في الوجود، وحقها في اختيار طريق المستقبل، وحقها في إعادة بناء الوطن على أسس من الكرامة، والحرية، والديمقراطية، وتحققت أهم منجزات الثورة التي أطاحت بقلعة الظلم، والظلام الذي جثم على صدور المواطنين عقودا من الزمن؛ فسقط الظلم، وتساقط خلفه المشعوذون، وانقشعت الظلمة، وسطع النور كاشفا عن كل الأقنعة.

وماذا بعد، وما هو المطلوب في هذه المرحلة مرحلة العبور من الماضي البغيض إلى المستقبل الواعد بالعدل والحرية، والحياة الكريمة ؟ وكيف يجب أن يتم بناء جسر العبور للمرحلة القادمة؟

أولًا: لقد وقف الجيش مع الشعب في ملحمة تاريخية؛ فرضتها متطلبات الأمن القومي، ومصلحة الوطن، وحماية الجبهة الداخلية، والتصدي الكل أعداء الوطن. وهذا الأمر يجب أن يوضع في أولويات اهتمام المجلس العسكري، ومجلس الوزراء، و ائتلاف شباب الثورة في مرحلة من أدق مراحل التحول في تاريخ جمهورية مصر العربية؛ للتخلص من نظام اعتمد سياسة الإقصاء لكل صاحب قلم، وبطش بكل المخلصين، وأذاقهم أصناف العذاب، وحرمهم من أبسط حقوقهم في الدفاع عن عدالة قضاياهم.

ذلك النظام الذي جمع حوله أصحاب المصالح الضيقة، وتآمر على ثروة الشعب المصري، حتى أصبحت نها لقطاع الطرق، وأحدث مناخا مظلما نبتت فيه طفيليات توحشت، واستباحت خيرات الوطن، و تسپت في تجويع ملايين المواطنين من أبناء الشعب، فضرب الفساد كل مكان، و عشعشت الطفيليات في كل قطاع، وتراجعت و ضعفت قدرات مصر؛ نظام جعل التقاعس عن الارتقاء بالوطن وتطويره سياسيه وهدفا، والتهاون في إعلاء كلمة الحق نوع من أنواع الترف. لقد تسبب في إلغاء الدور التاريخي لمصر في أفريقيا والعالم العربي، ورمي بثقله السلبي على الاقتصاد المصري فيحرم أسواقا واعدة ؛ كان يمكن أن تكون مصدرا رئيسيا لصادرات المنتجات المصرية، ومردودها من عملات صعبة تزيد الدخل القومي.

لقد أفادت الدول المنافسة من خروج مصر من الأسواق الأفريقية ؛ فوظفت ذلك في خدمة اقتصادياتها، وتحقيق مصالح سياسية فيها، وعلى رأس تلك الدول إسرائيل، لأن جمهورية مصر العربية تشكل خطورة على الاستراتيجية الإسرائيلية، وتمنع تمددها الجغرافي في العالم العربي، وكذلك في أفريقيا، وما يمكن أن تثيره إسرائيل من إشكالات تستدرج مصر إلى صراع في الحبشة بشأن مياه النيل، وهو الأمر الذي يشغل القيادة السياسية، والعسكرية في هذه المرحلة، ويؤدي إلى تشتيت للجهد السياسي، والعسكري، و اختلال في أولويات الاستراتيجية الوطنية، ويعيقها في المحافظة على مسار التحول الديمقراطي، وتحقيق مشروع النهضة الحديثة لمستقبل مشرق.

لذا يجب عدم السماح تحت أي ظرف بالإخلال في الجبهة الداخلية، ويجب تحقيق مزيد من التلاحم في الوحدة الوطنية لمواجهة أعداء لا يريدون الخير لشعب مصر، وأن يتم اتخاذ كافة الخطوات لاستيعاب الصالحين من أبناء الشعب المصري بعقول مفتوحة، وإدراك واع، و مسئولية تضع المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار.

ثانيًا: يتم تشكيل مجلس للتخطيط الاستراتيجي تكون مهمته وضع استراتيجية اقتصادية، و تعليمية، وأمنية، واجتماعية : تأخذ في الحسبان المحاور الآتية:

1. في المجال الاقتصادي:

تشكل لجنة اقتصادية منبثقة من مجلس التخطيط الاستراتيجي تتولى دعوة مجموعة من الخبراء الاقتصاديين، لتقوم بإعداد خطة اقتصادية لمدة خمس سنوات تنهض بالاقتصاد الوطني، وتوظف كافة الطاقات الاقتصادية في الدولة و تطويرها؛ لإعطاء مردود أفضل، وعلى سبيل المثال:

أ. قطاع البترول والبتروكيماويات.

ب. قطاع التصنيع، وتطوير الإنتاج، وزيادة معدلاته الإنتاجية.

ت. القطاع الزراعي، وزيادة الرقعة الزراعية على الأخص فيما يمكن أن يحقق الاكتفاء الذاتي في إنتاج القمح.

ث. قطاع البنوك وتطويرها؛ بحيث تكون عاملا أساسيا في التنمية الاقتصادية؛ لتمويل المشروعات العملاقة التي تعود بالنفع على

الشعب المصري.

2 . المجال التعليمي:

إن ارتقاء الأمم، وتقدمها يعتمد أساسا على مناهج التعليم، ومدی توافقها مع أهداف تنمية المجتمع، وتحديد أولويات خطة التنمية؛ لتتوافق مع احتياجات المجتمع للوصول به إلى تحقيق ما تصبو إليه الأمم من مجتمع تتحقق فيه الرفاهية، والكفاية، والعدل، ويتم فيه تأمين السكن الصحي الملائم، و الدخل المادي المناسب، ليستطيع الإنسان إعالة أسرته، ويعيش حياة كريمة، تساعده على الإسهام في تطوير المجتمع وتقدمه؛ لتستطيع جمهورية مصر العربية أن تأخذ مكانتها بين الأمم المتقدمة.

3. نظام العمالة:

الارتقاء بمستوى العمالة من حيث التدريبا في قطاعات الصناعة والزراعة، واستغلال الفائض منها في تصديرها للدول العربية وغيرها، ويتطلب ذلك تكثيف المعاهد الصناعية، والزراعية لمواجهة متطلبات السوق.

4. قطاع الاستثمار:

وضع قوانين، ونظم لتأسيس شركات استثمار عملاقة تشارك فيها الشركات الحكومية، والبنوك، ومستثمرون من دول عربية، وأوروبية في مشروعات استراتيجية ذات مردود مناسب؛ يحقق للشعب المصري أفضل استغلال ثرواته الطبيعية. وكذلك إيجاد أكبر عدد من الوظائف بحيث تستطيع أن تستوعب تلك المشروعات عشرات الآلاف من العمال، مع وضع قواعد صارمة بعدم استخدام عمالة خارجية تحت أي ظرف؛ فالكفاءات في مختلف التخصصات متوفرة في مصر.

5. القطاع الأمني‪:

إن أية تنمية اقتصادية تحتاج إلى مناخ استقرار، وأمان يعيش فيه الناس آمنين على أرواحهم، وثرواتهم، وأعمالهم؛ مطمئنين إلى وجود مؤسسات أمنية في دولة العدل، والقانون، يتساوى فيها الناس جميعا في الحقوق والواجبات. ومن هنا يتطلب الأمر إعادة تأهيل ضباط الشرطة، وأفرادها بمختلف الرتب، من خلال إلحاقهم بمعاهد متخصصة في إعداد القادة، والارتقاء بالسلوك، و فن الإدارة، وأسلوب التعامل مع الجمهور، وتقديس المسئولية الملقاة على عاتقهم في حفظ أمن الوطن والمواطنين. وإلى جانب ذلك يجب وضع قواعد رعاية أفراد الشرطة، وأسرهم، ورفع مستوى دخل الواحد منهم ليعيش حياة كريمة، تدفعه للعمل والتفاني في تأدية واجباته الوطنية.

فيا شباب مصر و يا شعب مصر العظيم، أمامكم المستقبل المشرق الذي حكم على سلوك الطريق إليه، ويدعوكم ليناء مصر المحبة، مصر السلام، مصر الحضارة. ولتكن لنا في أنبيائنا أسوة حسنة؛ فنبينا محمد(ص)  يقول في رسالة ليهوذا (لتكثر لكم الرحمة والسلام والمحبة). والله يحفظ مصر، وشعبها، وجيشها من أعدائها.

2- لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء

قال الله -تعالى- في محكم كتابه الكريم «لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ»، (الأحزاب/ 21) ؛ فليكن عليه الصلاة والسلام أسوة لنا في مواجهة مواقف التحولات الاجتماعية التي تتطلب أن يعلو الإنسان فوق شيطانه، ويرو ض نفسه؛ ليستطيع أن يبصر أنوار الحكمة التي تضيء له الطريق؛ فيطفي نار الانتقام بالتسامح، وينشر السلام بالعفو. ذلك ما حدث يوم فتح مكة، عندما انتصر المسلمون، وتساءل الظالمون الذين توعدوا محمد (ص) بالاغتيال، وعذبوا صحابته بشتى الوسائل، وهو يدعوهم للصلاح والخير دعوة سلمية تحيطها الرحمة، وتنشر السلام.

يومها نظروا(ص) إليه بكل الاستعطاف و الخوف، وسألوه ماذا أنت فاعل بنا؟ لأنهم كانوا يتوقعون أنه سينتقم منهم شر انتقام؛ لكنه كان رحمه مهداة لا يعرف الحقد ولا الانتقام؛ بل محبة وتساما لهم فكان رده: ( اذهبوا فأنتم الطلقاء، لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لي ولكم) فتجلت عظمة التسامح في موقفي الانتقام، فدخلوا في الإسلام، وأصبحوا من دعاته وحماته.

لذا فإنني أهيب بشعب مصر العظيم، وأدعو شباب الثورة لكي يرتفعوا عن الانتقام، وأن ينشروا السلام، وأن ترتفع راية المحية، والتسامح، والتصالح ليتم بناء مستقبل مشرق يشارك فيه كل شعب مصر بكل أطيافه، ومعتقداته، وثقافته، فلا يجب أن تترك ثغرة أيا كانت في بناء المجتمع الجديدة لتسبب له الاشكال المزمن، وتعيقه عن طريق المستقبل.

فتلك طبيعة بشرية؛ فكما انتفض الشعب المصري نتيجة للتهميش، والعزل، والظلم؛ ستقف مجموعة من المواطنين عندهم شعور بالعزل، والظلم، موقفا لا يخدم ما يتمناه الشعب في مستقبل مشرق يسوده العدل، والكرامة، والحرية، والعيش الكريم؟ بل سيدفعهم ذلك الموقف إلى رد فعل يحمل في طياته أخطارا تهدد استقرار الوطن.

يا شباب مصر! اجعلوا نظرتكم تتجه للمستقبل، ودعوا الماضي بكل مآسيه، واجعلوا الحاضر مرحلة الإعداد لعبور مشرق و عزیز؛ تتحقق للشعب فيه آماله، و تتطور فيه إنجازاته وأعماله، وتتحول أقواله، وشعاراته إلى عمل بناء تتكاتف فيه كل القوى في مجتمع المحية، فلا محروم يغالب شقاءه، ولا مظلوم يندب حظه، ولا مكلوم پبحث عمن يواسيه. بل الكل مع الكل؛ بحيث يسير الكل تحت راية واحدة كشعب واحد، و مستقبل واحد.

إن مصر تشكل محورا حساسا مهما لجميع دول العالم، بما تمثله من موقع، وثقافة تزخر بمختلف الحضارات، يعدها المواطن العربي قيادة له، وصنفتها الدول الغربية بمیزان الاعتدال في الشرق الأوسط، وعدتها إسرائيل عدوا يهدد أمنها في المستقبل، ويعيق حركتها في سبيل التوسع، لذا فإن أعداء الأمة العربية لن يهنأ لهم بال، ولن يغمض لهم جفن حتى يتحقق لهم كسر شوكتكم، والنيل منكم بكل الوسائل.

وأخطر تلك الوسائل هو ما سوف تقدمونه أنتم لهم على طبق من ذهب، لينالوا من مصر، وعزتها، وكرامتها؛ وذلك بالفرقة، والتشتت، وخلق مناخ كریه تتقاتل فيه مختلف الطوائف والفرق، وتنهار الجبهة الداخلية، وتتبدد الوحدة الوطنية، ويضيع الوطن. فماذا يتحقق من مكاسب الصراع الحزبي، أو الطائفي، أو العزل السياسي؟ الكثير يبحث عن موطن ضعيف في جسم الشعب المصري ليغرز فيه خناجره المسمومة، ويشجع الكراهية بين أبناء شعبه، فترى عددا من الفضائيات تسارع في التقاط كل من نسبة التاريخ وأهمله؛ لينفث سمومه، ويسعى للانتقام بكل وسيلة من خصومه.

لقد ساعدت تلك الفضائيات على أن تقدم أناسا كأنهم جاءوا من عصور سحيقة موغلة في القدم، وهم يرفعون رايات الحقد والكراهية، ويحرفون كتاب الله، وكلام رسوله(ص)، من رحمة، ومحبة، وسلام للناس كافة، وعينوا أنفسهم وكلاء الله في الأرض، والناطقين باسمه، وهذا أمر تأباه الشريعة فلم پر سل الخالق -سبحانه- الأنبياء للبشر ليكونوا وكلاء عنه في الأرض، إنما أرسلهم لتبليغ رسالاته للناس، ليهديهم إلى طريق الخير، والصلاح، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، فلا رقيب غيره -سبحانه- على الناس، ولا حسيب. كما تؤكد ذلك الآيات الكريمة الآتية في قوله تعالى:

آية (56) سورة الأنعام «وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ».

آية (66) سورة الأنعام «وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ۚ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ».

آية (104) سورة الأنعام«قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ».

آية (107) سورة الأنعام «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ» صدق الله العظيم

لذا فإن الله – سبحانه وتعالى – لم يرسل محمدًا(ص) لأن يؤسس دولة دينية، ويكون حاكما باسم الله، ووكيلا عنه؛ إنما أرسله للناس كافة هاديًا، و میشا، ونذيرة. ولقد قال تعالى: «مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ».

إن الحكم على البشر يختص به الخالق سبحانه، لأنه وضع قاعدة فاصلة حدد فيها ما يجب على البشر أن يتبعوه في حياتهم الاجتماعية، وما اختص به المولى

-عز وجل- في الحكم عليهم في أعمالهم الدنيوية. كما جاء في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» (الحجرات/13).

إن منطوق الآية ينصرف إلى تحديد واضح، وتأكيد بأن الله – تعالى – يريد من الناس جميعا أن يتعاونوا، ويتعارفوا في الحياة الدنيا، وأن الجزاء، والتكريم، والثواب والعقاب اختصه سبحانه لنفسه، ولم يوكل به أحدا من خلقه.

لذلك فإن هذه الآية تحدد بوضوح أن ( الدين لله والوطن للجميع)، فهی تكليف الله لخلقه بالعمل على التعارف والتعاون، و استنباط التشريعات اللازمة لتحقيق التآخي بين الناس، والعمل على بناء مجتمعات متحابة مسالمة، تتشارك جميعها في خلق حياة كريمة لكل الناس، أساسها الرحمة والعدل، و السلام.

إن إطلاق بعض التسميات على نوعية نظام الحكم في الدولة، سواء كانت التسمية علمانية، أو مدنية، أو دينية ؛ ليس لها مكان من التعريف القانوني للدولة، وليس لها مدلول معين في أسلوب حياة المجتمعات.

إن مفهوم الدين يتعلق بعقائد البشر، وبما يؤمنون به ، و ما استقر في قناعاتهم ويقينهم؛ فمنهم من آمن برسالة الإسلام، وآخر برسالة عيسى، وهناك من آمن برسالة موسی، و منهم من اعتقد بعقائد أخرى؛ وهم ليسوا من أهل الكتاب. فالكل أحرار في خياراتهم الدينية؛ وبذلك تظل المواطنة هي المعيار الوحيد في التعامل مع كافة أفراد الشعب بالعدل والمساواة في الحقوق والواجبات.

لذا يتطلب الأمر وضع أولويات الاستراتيجية الوطنية، وهي إزالة ما يعيقها من عقبات للمحافظة على مسار التحول الديمقراطي، ليتحقق مشروع النهضة الحديثة لمستقبل مشرق، وعدم السماح تحت أي ظرف بالاخلال في الجبهة الداخلية، وتحقيق مزيد من التلاحم للوحدة الوطنية في مواجهة أعداء لا يريدون الخير لشعب مصر، وأن يتم اتخاذ الخطوات الضرورية في استيعاب الصالحين من أبناء الشعب المصري، حتى لا يتحولوا إلى طابور خامس يسعون للإضرار بمصلحة الأمن القومي.

إن كل شيء يهون في سبيل المصلحة الوطنية العليا، ولتكن العدالة، والرحمة، والتسامح قواعد للتعامل مع الجميع، وليكن العقاب الرادع لكل من يسهم ماديا، ومعنويا في الإضرار بمصلحة الشعب المصري، وتلاعب بأمنه، وأضر بثروته ليقل القضاء كلمته فيهم، ولتتجه العقول، والقلوب، والأيادي لوضع خارطة بناء المستقبل المشرق، وتأمين الوحدة الوطنية بكل السبل بعقول مفتوحة، وإدراك واع، ومسئولية تضع المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار .

إن إحساس أية مجموعة من المواطنين بالاضطهاد والقهر، ومصادرة حقها في أن تعيش حرة في وطن يكفل لها حرية الاعتقاد، ويحميها من كل اعتداء، ويحقق لها العدالة، سيحولها إلى معاول هدم، وتخريب في بنية الدولة، وبكل الوسائل.

ومن ثم فإن المصلحة العليا للوطن تتطلب عدم فتح جبهة أخرى تساعد على مزيد من الاستقطاب السياسي والطائفي؛ وتحقق لأعداء الدولة المصرية هدفًا استراتيجيًا؛ يستخدم أخطر سلاح في ضرب الجبهة الداخلية التفتيتها، ويحول الصراع السياسي، والمعنوي إلى صراع مادي، تستخدم فيه أنواع الأسلحة، ويشترك الجميع في اغتيال الوطن، وهدم الدولة، و تقطيع ما تبقى من وشائج الأخوة في الوطن، ووحدة التاريخ والمصير المشترك. والله المستعان على ما يهدد مصر العروبة، مصر التاريخ، مصر القيادة، مصر التي حملت راية العزة والكرامة لشعب عظیم علم البشرية العلم والإيمان.

Leave A Reply

Your email address will not be published.